ابن عبد البر
14
الدرر في اختصار المغازي والسير
هذه الغزوة قال أهل الإفك في عائشة - رضى اللّه عنها - ما قالوا ، فبرّأها اللّه مما قالوا ، ونزل القرآن ببراءتها ، ورواية من روى أن سعد بن معاذ راجع في ذلك سعد بن عبادة ، وهم وخطأ ، وإنما تراجع في ذلك سعد بن عبادة مع أسيد بن حضير . كذلك ذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وغيره ، وهو الصحيح ، لأن سعد بن معاذ مات في منصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بني قريظة لا يختلفون في ذلك ، ولم يدرك غزوة المريسيع ولا حضرها » . نحن إذن بإزاء سيرة نبوية محررة ، سيرة لا تعتمد على كتب السيرة المشهورة وحدها ، بل تعتمد أيضا على كتب الحديث ورواية الموثقين مع الموازنة بين الأخبار والأحاديث واستخلاص الآراء الصحيحة ، ومع الوفاء بالدقة في أسماء الأعلام ، ومع التوقف في موضع التوقف والنفوذ إلى الرأي السليم ، ومع المعرفة الواسعة بالحديث ورجاله وتمييز صحيحه من زائفه . وبلغ من قيمة هذه السيرة وأهميتها في عصرها أن وضعها ابن حزم تلميذ ابن عبد البر علما منصوبا أمام بصره حين حاول أن يصنّف سيرته النبوية التي سماها « جوامع السيرة » وقد نشرت بدار المعارف نشرة جيدة محققة عن نسخة يكثر فيها التصحيف ، كما تكثر سواقط الكلام . ونراه يستهلّها بقطعة موجزة يتحدث فيها عن نسب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومولده وسنه ووفاته وأعلام رسالته وحجه وعمراته وغزواته وبعوثه وصفته وأسمائه وأمرائه وكتابه وحرسه ومؤذنيه وخطبائه وشعرائه ورسله ودعوته بعض الملوك إلى الإسلام ونسائه وأولاده وشيمه وأخلاقه . وهو في هذه القطعة لا يلتقى بابن عبد البر في سيرته ، لأنه كما قدمنا لم يعرض لكل ذلك مكتفيا بما جاء منه في صدر كتابه « الاستيعاب » غير أننا لا نكاد نتقدم مع ابن حزم حتى نجده يلتقى مع ابن عبد البر في أكثر صحفه ، وتنبّه إلى هذا الالتقاء ناشر وسيرة ابن حزم قائلين : « وقد أفاد ابن حزم في كتابه السيرة مما صنعه من قبله شيخه ومعاصره أبو عمر بن عبد البر مؤلف كتاب « الدرر في اختصار المغازي والسير » ونحن لا نملك من هذا الكتاب صورة كاملة أو وافية تدلنا إلى أي مدى اعتمد عليه ابن حزم ، ولكن النقول القليلة التي احتفظ بها ابن سيّد الناس من كتاب أبى عمر المذكور تؤكد أن ابن حزم قد نقل عن شيخه نقولا متفرقة في شيء قليل من التصرف ، إلا أن نفترض أن المؤلّفين - نعنى ابن عبد البرّ وابن حزم - ينقلان عن مصدر ثالث لم يقع إلينا » .